ابن الحسن النباهي الأندلسي

222

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

[ إذا كتب قاض إلى قاضي الجماعة ] وأمّا كتابه إلى قاضي الجماعة ، أو إلى فقيه يسأله ويسترشده ويخبره ، فهذا يقبله إذا عرف خطّه ، أو أتى به رسوله أو من يثق به ، إلّا أن يأتيه به الخصم الذي له المسألة ؛ فلا قبله إلّا بعدلين . وإذا كان له من يكاتبه في نواحي عمله ، في أمور الناس وتنفيذ الأقضية وغير ذلك ، فلا يقبله الكتاب ، يأتيه منهم بالثقة يحمله ، وبالشاهد الواحد ، وبمعرفة الخاتم لقرب المسافة واستدراك ما يخشى فوته . وإذا افترق العملان ، فلا بدّ من البيّنة ؛ وقاله أصبغ . ولسحنون نحوه في أمنائه بخلاف كتاب قضاته . وفي « الكتاب المقنع » : قال من أثق به : رأيت العمل عند القضاة أن يكتبوا إلى أمنائهم ، أو إلى من أحبّوا أن يتعرّفوا من قبلهم ، عدالة بشهود ووضع شهادات ؛ ليعلموا في صحّتها من قبلهم ، إذا لم يكن المكتوب إليهم حكّاما ، أن يبعثوا إليهم كتبهم مع الطالب بغير إشهاد عليها ، لا يقبلوها منهم إلّا بعدلين من الشهود . وقال ابن حبيب عن مطرّف وابن الماجشون : لا يجوز إشهاد الأمناء بما أمرهم القاضي بإنفاذه إلّا أن يثبت إشهاد القاضي على أصل الحكم ، أو على أمره لأمنائه بإنفاذه ذلك ، وعلى أنهم أنفذوه ورفعوه إليه ؛ ويثبت ذلك كلّه بشهادة غير الأمناء . وذكر ابن عبدوس عن ابن القاسم : إذا شهد شاهدان على أنّ الأمناء أشهدوهم قبل عزل القاضي ، على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم من إنفاذ القاضي لمن أنفذه ، أنه يكون بمنزله ما يشهد القاضي على ما يأتيه من القضاة ، وما يثبت عنده من إنفاذها . قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل : رأيت قضاة شرق الأندلس كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم ، ومعرفة الخط ، وإن لم يكتب للقاضي منه بخطّ يده إلّا العنوان لا غير ، وإن كان حامله هو المكتوب له في الكتاب ، ويسلّمونه إليه مختوما ؛ وهو عندي ممّا لا يجوز العمل به ، ولا إنفاذه ، لا سيّما إذا كان حامله صاحب الحكومة . وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره : إذا كان حامل الكتاب صاحب القضيّة ، لم يجر فيما هو أخفّ من هذا في تحمّله من عند الأمين ، أو من عند الفقيه وشبهه . فكيف في نفس الحكومة ومن قاضي بلده إلى قاضي بلدة أخرى ؟ هذا ما لا يجوز عند أحد ، والقضاء به مفسوخ ؛ واللّه أعلم ! وأما إذا تحمّل الكتاب شاهدان ، وشهدا به عند المكتوب إليه ، وأثنى عليهما بخير ، وأن لم تكن تعديلا بيّنا وزكى أحدهما ، ولم يزك الآخر ، أو توهّم فيهما الصلاح ، وكان الختم والخطّ مشهورين معروفين عند